عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
67
اللباب في علوم الكتاب
فصل في مجيء « يسألونك » بحرف الواو وجاء : « ويسألونك » ثلاث مرّات بحرف العطف بعد قوله : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ » وهي : « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ » ، « و يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى » « و يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ » وجاء « يسألونك » أربع مرات من غير عطف : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ » * « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ » « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ » . فما الفرق ؟ والجواب : أنّ السّؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد ، فجمع بينها بحرف الجمع ، وهو الواو ، أمّا السّؤالات الأول فوقعت في أوقات متفرقة ، فلذلك استؤنفت كلّ جملة ، وجيء بها وحدها . وقوله : « هو أذّى » فيه وجهان : أحدهما : قاله أبو البقاء : « أن يكون ضمير الوطء الممنوع » وكأنه يقول : إنّ السّياق يدلّ عليه ، وإن لم يجر له ذكر . الثّاني : أن يعود على المحيض ، قال أبو البقاء : « ويكون التّقدير : هو سبب أذّى » وفيه نظر ؛ فإنّهم فسّروا الأذى هنا بالشّيء القذر ، فإذا أردنا بالمحيض نفس الدّم ، كان شيئا مستقذرا ، فلا حاجة إلى تقدير حذف مضاف . فصل في المراد من « الأذى » قال عطاء ، وقتادة ، والسّدّيّ : هو أذّى ، أي : قذر « 1 » واعلم أنّ الأذى في اللّغة ما يكره من كلّ شيء ، ويحتمل أن يكون قوله : « هو أذّى » ، أي : سبب الأذى قالوا : لأنّ من جامع في الحيض ، قد يحصل له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح . وقوله : « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ » . الاعتزال : التّنحّي عن الشّيء ، وأراد به ها هنا : ترك الوطء ، وقدّم ذكر العلّة ، وهي الأذى ، ثم رتّب الحكم ، وهو وجوب الاعتزال . فإن قيل : المراد ب « الأذى » هو الدّم ، وهو حاصل في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة ، غير واجب ، فانتقضت هذه العلّة . والجواب : أنّ دم الحيض دم فاسد يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرّحم ، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة ، فذلك الدّم جار مجرى البول ، والغائط ، فكان أذّى وقذرا ، وأمّا دم الاستحاضة ، فليس كذلك ، بل هو دم صالح يسير من عروق تنفجر من عمق الرّحم ، فلا يكون أذى ، قال - عليه الصّلاة والسّلام - لما سئل
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 374 ) عن قتادة والسدي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 463 ) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق .